توم وجيري وراء الكواليس
مقال بقلم/ عبده عبد الجواد
جلسنا نشارك ملايين الأطفال حول العالم نشاهد ونضحك على مطاردة لا تنتهي بين قط وفأر أو توم وجيرى، دون أن يدركوا أن هذه اللعبة الكرتونية البسيطة تشبه كثيرًا ما يحدث في واقعنا اليومي بين السلطة والمواطن، أو بين من يضع القواعد كالحكومات أو المسؤولين من جهة، ومن يبحث عن الالتفاف حولها كالشعوب والمرؤوسين عامة.
تحاط المدارس بالأسوار ويتفنن بعض التلاميذ في تسلقها فتقرر إدارة المدرسة تعلية السور ليتوقف هروب التلاميذ بلا جدوى لدرجة أن بعض المدارس وضعت قطع حديد وأسلاك شائكة وكأن المدرسة صارت ثكنة عسكرية أو منطقة حدودية ولم يفكر أحد في بحث اسباب الهروب!
وإذا كان سور المدرسة يكشف جانبًا من المشكلة، فإن الشارع يقدم نموذجًا آخر أكثر تعقيدًا."
يقف البائع المتجول ويشغل الطريق بفاترينة أو عربة يد صغيرة وعليها بضاعة بسيطة فلا يجد رادعًا يمنعه فتصير الفاترينة كشك وربما محل مبنى بالطوب أو تصير عربة اليد الصغيرة عدة عربات متجاورة ويصنع لنفسه سوقًا خاصًا وتمتد مساحات إشغال الطريق وسرقة الكهرباء بمد أسلاك من أحد أعمدة الشارع ثم تأتى حملة المرافق بسياراتها ومعداتها ورجالها بهدم الإشغالات وربما مصادرتها ببصاعتها وربما تتلف بضاعة البائع أثناء ذلك وتأتى حملة الكهرباء وتحرر المحاضر بسرقة التيار وينتهى التصوير لما يسمى الحملة المكبرة وينصرف الجميع وتعود كل الاشغالات في اليوم التالى!
تتعالى الأصوات تتهم المسؤولين بالظلم للناس الغلابة لأن الوضع الخاطىء استقر لسنوات طويلة ويبررون لهم : كيف يعيشون انهم يعملون عملاً شريفًا فهل يسرقون؟!
بينما يُعارض أخرون أنهم يغلقون الطريق تقريبًا ويسرقون الكهرباء ويزعجون السكان بمكبرات الصوت!
ويمتد النقاش والجدل المجتمعى في كل كبيرة وصغيرة بعد أن غاب صوت الحكمة الذى يدرس بعلم ويناقش بحرفية وإنسانية وحياد أى مشكلةإجتماعية
تصدر القوانين تنظر لها الحكومات أنها للمصلحة العامة وتبرر وتقنع العامة من خلال أجهزة الإعلام بينما يرى الناس أنه لا يمكن لحكومة أن تضع قانونًا يخدم مصالحهم ويتوجسون، ويفكر كل منهم كيف يتحايل على القانون خاصة إذا كان من المتضررين.. فلا يوجد قانون إلا وله ضحايا كما لكل قانون غالبية من المستفيدين..وليس معنى ذلك أن كل قانون ظالم أو أن كل مخالفة مبررة، فالمجتمعات لا تستقيم دون قواعد، كما أن القواعد نفسها تفقد مشروعيتها عندما تتجاهل الواقع الإنساني لعامة الناس.
وقد يكون الشخص الذى تسلق الأسوار للهروب وهو تلميذ، ولم يسمعه أحد، ربما هو ذاته المواطن الذى يشغل الطريق لأنك أيضًا لم تُيسر له وسيلة أو مكان آخر قانونى.
فالمشكلة ليست في طول السور، ولا في عدد الحملات، ولا في قسوة العقوبات، وإنما في فهم الأسباب التي تدفع الناس إلى القفز فوق الأسوار، أو البحث عن ثغرات في القوانين.
و إلا ستستمر لعبة القط والفأر بين السلطة والمرؤوسين كلٌ يُفكر من زاوية مصلحته فقط وسيستمر التحايل على القوانين طالما لم تُدرس المشاكل بعمق وفاعلية وإنسانية و تراعى الظروف المعيشية للغالبية وبعيدًا عن القسوة أو أخذ لقطات التصوير للحظات بعد غياب القانون لسنوات.
وإلى لقاء فى مقالات قادمة بإذن الله،
عبده عبد الجواد

تعليقات