المحمول دمية الكبار
"تحديثات لمحو العادات"
بقلم / عبده عبد الجواد
شاهدت فيلما وثائقيا خطيرا (*) فاكتشفت أن للكبار دمية يلعبون بها كما
للصغار ولكن الأخطر أن دميتهم خادعة تتلاعب بهم، فتستنزفهم وتستغلهم، وتراقبهم
وتفشي أسرارهم وتغير أو تمحو عاداتهم وتحول كل لاعب عابث إلى مُتَّلاعَبْ به وما
خفى كان أعظم! ..فهل آن الأوان لنستفيق ونتركه قليلا..
لو تركنا المحمول قليلاً : لاحتفظنا ببصرنا الذي أرهقته شاشاته، خاصة
حين نضعها أمام أعيننا قبل النوم أو فور الاستيقاظ في ظلام الغرفة.. ولو تركناه
قليلا؛ لاتسع وقتنا أكثر، خصوصًا في لحظات الانتظار عند الطبيب أو الحلاق أو في
المحطة، لو تركناه قليلا ؛ لتجمعنا بصدق مع أصدقائنا وأقاربنا في الأفراح
والأحزان، وما اكتفينا برسائل تُكتب من بعيد بتعييرات مرسومة، بشكل اليد والقلب
والوجه وغيرهم، وكأنها كلام قلناه، وتخيل الطرف الآخر أنه سمعه وبادلك الرد بنفس
الأشكال ..تعايشنا مع أشباه الكلام والمشاعر وكأنه واقع!
لو تأملنا هذه المواقف البسيطة لطرحنا على أنفسنا سؤالاً مهماً : ماذا
كنا نفعل قبل وجود المحمول؟
كنا نسبح ونذكر الله قبيل النوم وعند الاستيقاظ، ومنا من كان ينام على
صوت المذياع الهادئ بإذاعة القرآن الكريم، ويبدأ يومه بتلاوته.. كنا نقرأ الجرائد
والمجلات الموضوعة على المنضدة الصغيرة في العيادة وغيرها وقت الانتظار ..كنا نحفظ
ارقام التليفونات الهامة على الأقل فى ذاكرتنا.. واليوم تخلينا عن ذاكرتنا بذاكرة
التليفون..كنا نتواصل وجهاً لوجه، نتشارك المشاعر بحضور حقيقي لا عبر شاشات..كنا
نعبر عن حبنا و إعجابنا وعن فرحنا وحزننا بوجوهنا ومشاعرنا بكلمات ننتقيها وتخفق
بنبض قلوبنا، لتعبرعنها ألسنتنا .
لكن ..هل المحمول سيء لهذه الدرجة حتى نقاطعه تماماً؟
الحقيقة أن الهاتف ليس سيئاً في ذاته، بل في أسلوب استخدامنا له، فهو
أداة لها فوائد عظيمة : وسيلة سريعة للتواصل، منصة للتعلم، ومصدر ضخم للمعلومات
أما وقد صار وكأنه يقول لك وفر ذاكرتك ووفر لسانك وأحاسيسك وختاماً
وفرعقلك فبرامج الذكاء الاصطناعي ستفكر لك؛ هذا غير الألعاب الكثيرة وتحديثاتها كل
يوم بلا نهاية، فعمَّ الجهل وتُرِك العلم وسادت التفاهة حين أحاطك بفيديوهات قصيرة
متتابعة نزعت منك شيئاً فشيئاً الصبر الذى هو سمة أساسية لشخصية من يريد التعلم؛
وتشعر وكأنه يسرق عمرك ويراقبك؛ ويسمع ويسجل كل حركاتك وسكناتك!
هو تطور طبيعى لحياتنا ويجب أن نستخدمه في التحديث الواعى لعاداتنا
القديمة في القراءة والتعلم لا أن يستخدمنا فنصير دمية يستفيد منها ويسرقها كل من
خلف الكواليس- من صناع المحمول والانترنت والتجار وأصحاب المصالح- لنكون أنا وأنت
سلعتهم
.
The Social
dilemma (*)

تعليقات