مُعلم الشُطَّار والحِمار
مقال بقلم/ عبده عبد الجواد
يُقال إن التكرار يُعلّم الشُطار، ويقال من باب الدعابة أنه يُعلّم الحِمار أيضاً، ولا شك أن كليهما يتعلّم بالفعل؛ فالحمار يحفظ طريقه ذهاباً وعودة دون دليل أو جهاز (GPS)، فذلك من فطرته، أما الإنسان فله فى التكرار دروس أعمق.
فالتكرار سنة كونية ثابتة، وليس مجرد مللٍ أو رتابة.. تعاقب الليل والنهار، وتبدل الفصول، ودوران الأرض كلها صور للتكرار الذى يحفظ توازن الكون، ويُنبّه الإنسان ألا يستسلم للتكرار المُمِل، بل يجعله مجالاً للتأمل والتغيير، وفى القرآن الكريم تكرارٌ بليغ للقصص والألفاظ والمعانى، لتثبيت العقيدة وتوكيد وحدانية الله واليوم الآخر. ورأى بعض العلماء أن هذا التكرار ليس تكراراً بمعناه الحرفى، بل هو إضافة معنى جديدٍ أو بُعدٍ مختلفٍ للقصة أو اللفظ.
التكرار أيضاً أساس التعلّم البشرى منذ الطفولة، وأداة لتطوير المهارات وتقليص زمن الإنجاز، فالعاقل لايُكرر الخطأ، بل يُعيد المحاولة للوصول إلى الصواب، مصداقاً لقول النبى صلى الله عليه وسلم : " لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين."
أما الروتين اليومى فلا يجب أن يُختزل فى الملل؛ فهو نظامٌ ينظم حياتنا ويحثّنا على الابتكار، أليست الصلوات الخمس تكراراً منظّماً ؟ وكذلك الوضوء، والتسبيح، والطواف بالكعبة ؟ .. كلها تكراراتٌ تُنقّى النفس وتقرّب القلب من الله.
اجعل من التكرار طاقةً إيجابية فى حياتك. كرّر بتمعن واخلاص ما يُقرّبك إلى الله من شعائر ومناسك وأذكار بقلبك قبل جسدك ولسانك، ابحث عن سبل التطوير فى عملك أو ابحث عن آخر اذا كان لا يُقدرك فأرض الله واسعة، غَيَّر ما تستطيع، وجدد فى التفاصيل الصغيرة فى حياتك لتكسر الملل .. أضف باقة ورد بأحد اركان منزلك أو مكتبك أو عملك، قابل أحد أصدقائك القدامى من زمنك الجميل واستعد بعض من مشاعرك القديمة .. غيَّر المسجد الذى تصلى فيه أو غير طريق ذهابك إليه، لا تستسلم للتكرار اعتياداً بلا فكر أو ابتكار، فذلك ما يُميت الروح، أما التفكيرالواعي فى مغزى التكرار، فهو حقاً ما يُعلّم الشُطار.
والى لقاء فى مقالات قادمة باذن الله ،،
عبده عبد الجواد
تعليقات