مدفع رمضان-مقال


مدفع رمضان
مقال بقلم/ عبده عبد الجواد
كلما اقترب أذان المغرب في رمضان ينتظر الناس لحظة الإفطار، لكن قبل الأذان بقليل يسبقها صوتٌ قديم توارثناه جيلاً بعد جيل… صوت مدفع رمضان.
وأراها من العادات الغريبة وغير المبهجة؛ فإطلاق الرصاص في الأفراح – بدءا من فرح ابن العمدة قديماً – شأنه شأن تفريق المظاهرات والتجمعات أو الحروب، ليس شيئاً مبهجاً لأحد، أو ربما يبهج من يطلقه فقط!
لا أعتقد أن أحداً يبهجه صوت إطلاق الرصاص، وخاصة في رمضان؛ فهو عمل لا يتفق مع حالة السلام والأمن النفسي للناس وقت الصيام وأيام رمضان.
ولو رجعنا إلى أصل الحكاية، سواء أكانت من أيام الخليفة المملوكي أو من عهد محمد علي أو غيره، فجميع الحكايات تتفق على أن الحاكم – أياً كان اسمه – كان يُجرّب مدفعاً جديداً، وتصادف إطلاقه وقت الغروب. والغريب أنهم جميعاً كانوا يجربون المدافع في رمضان وفي نفس وقت الغروب!
وفي كل الروايات أيضاً اعتقد كبار البلد والمشايخ أن الحاكم يحتفل بإفطار رمضان، فذهبوا ليشكروه، وهو أصلاً لم يكن يقصد. فلما وجد أن الأمر حاز على إعجاب الناس جعله تقليداً، وأطلقت طلقات أخرى ساعة السحور. وهذا في الحقيقة من الكوميديا التاريخية!
وبعد ذلك زادت أهميته، وصار المدفع عدة مدافع، وخُصصت لها أماكن في أنحاء القاهرة ليسمع الجميع مدفع الإفطار.
ثم زاد تعظيمه، وارتفعت مكانته بتسجيل الحدث، وصار يذاع في الإذاعة قبل أذان المغرب بمنادٍ يقول:
"مدفع الإفطار... اضرب" ، ثم قبل أذان الفجر: "مدفع الإمساك ..اضرب"!
وظل الجميع يتوارثونه على مر العصور اعتقاداً منهم بأنه مصدر بهجة لنا، وهو كأوثان الجاهلية التي صنعتها الأجيال السابقة بأيديهم، فلما تعاقبت الأجيال ظنوا فيهم الصلاح والخير فاتخذوهم آلهة!
في الحقيقة أن أكثر ما يبهجنا كصائمين عند غروب شمس يومنا هو الشعور بالهدوء والسكينة، مع صوت قرآن المغرب ثم الأذان بصوت الشيخ رفعت أو المنشاوي، وليس أصوات ضجيج المدافع، فمن يُسكتها ويُحطم الصنم!
والى لقاء فى مقالات قادمة،

عبده عبد الجواد 

تعليقات