هل ينتظر أحد الغُراب- مقال

 


هل ينتظر أحد الغُراب
مقال بقلم / عبده عبد الجواد
ما أجهل الإنسان وهو يستعرض عبثاً قوته، ويظن أن لن يقدر عليه أحد، رغم أن بعوضة من جند الله تكفي لقتله. يتناسى ضعفه، فيحسد ويحقد ويبطش، ويظلم بأمر عقله أو بأمر من يحكمه.
كان الغراب أول معلم للإنسان، حين قتل قابيل أخاه، فوقف حائراً أمام جسد بلا روح، لم ير مثله من قبل. لم يعرف ماذا يفعل، حتى بعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه.
فإذا خرجت الروح، صار الجسد حملاً ثقيلاً، لا يطيقه أحد، ولا يقبله سوى تراب الأرض الذي خُلق منه.
لقد خُلق الإنسان بعقل، ومُنِح حرية الاختيار، ليؤمن أو يكفر، ليعدل أو يظلم. لكن هذا العقل ذاته كان سبب شقائه، فبه قاس نفسه على غيره، فحسد، وطمع، وسعى للسلطة، فكانت أول جريمة في التاريخ، ولم تكن الأخيرة.
فالكون قائم على النقائض: خير وشر، قوة وضعف، إيمان وكفر. لكن الإنسان لم يكتفِ بالاختلاف، بل حوّله إلى صراع .. تقاتل الناس رغم وحدة الأصل، وتقاتل المؤمنون رغم وحدة الدين .. تقاتلوا باسم الله، وباسم الوطن، وباسم المجد، وباسم الخوف، تقاتل أهل البلد الواحد لاختلاف الأفكار او تنازع السلطة، وتقاتلت البلدان المتجاورة لخلافٍ مذهبى أو رغبة فى السيطرة على الموارد الاقتصادية، وفي كل مرة كانت الكلمات تسبق الدماء، والخطب تحتل المنابر وتسبق المقابر بكلام ملحمى ملهم.. ذلك نداء الوطن فمن يتخاذل، يُقتل الأبناء، وتُرفع الرايات، وتُصنع البطولات وكل وطن يتفاخر ببطله الذى ينعته الطرف الآخر بالمجرم .. هو مؤمن ينفذ ارادة الرب وكافر فى الوقت نفسه بعيون الآخرين، وتقام الاحتفالات والتكريم للشهداء
هنا وتقاد الشموع هناك للأبطال فى كل وطن أو حتى فى نفس الوطن!
وبعد سنوات، تُنسى الوجوه، وتبقى القبور شاهدة على عبث الإنسان. ويتحدث المحللون السياسيون عن أخطاء الماضى وضرورة التعاون والتعايش السلمى.
ويتحدث أهل العلم عن الانسان وقضية الايمان : "(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ ( يونس 99) ،
ولم يفكر أحد فى أن الاختلاف سنة كونية وجزء من الابتلاء فى خلق الانسان ووجوده فى الدنيا : "{وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۗ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ ( هود 119)
وتمر السنوات ويستمر صراع بنى آدم ويتقاتلون تحت رايات وأسباب مختلفة وتُحفر المقابر الجماعية للقتلى ويدفنون كما القمامة والنفايات، فلم يتعلموا من أسلافهم فى بدء الخليقة سوى كيف يُوارى أخاهم التراب، ولم يعد أحدهم ينتظر الغُراب.
والى لقاء فى مقالات قادمة باذن الله
عبده عبد الجواد

تعليقات