غلاف الحياة
مقال بقلم / عبده عبد الجواد
الحنين الدائم إلى الماضى ما معناه؟.. هل هو رغبة في الهروب من الواقع؟..هل كان الماضى جميل حقاً أم هو الحنين لحياة بلا مسؤوليات؟
نشاهد فيديوهات قديمة تظهر وابور الجاز، أو بوتاجاز المصانع الأبيض، أو التليفزيون الأبيض والأسود، أو الراديو الخشبى وأصوات برامج الإذاعة القديمة.. صوت الشيخ رفعت، ..حديث الصباح، وطريق السلامة.. همسة عتاب وكلمتين وبس وأخبار خفيفة.. وفى التليفزيون قناتين فقط، وننتظر اليوم المفتوح ومباراة كرة القدم على الهواء بلا حصريات ولا احتكار فهل كل هذا السجل من الذكريات كان كله جميل؟
الحقيقة أن الجميل هو أن غلاف هذا الزمن وعنوانه الرئيسى كان الإحساس بالجمال، حيث دفء الأسرة.. حيث الاحتماء خلف أب وأم، فلا مسؤوليات مباشرة لذا كان كل ما تحت هذا العنوان جميلاٌ حتى لو لم يكن جميلاٌ خالصاٌ أو مكتمل الجمال ..فقد كنا نرضى بالقليل هكذا تربينا وتعلمنا، فقد تعلم الآباء عن جدودهم وعلمونا : ألا تطعموا عيالكم كل يوم اللحم والدجاج والأسماك وغيرهم من أغلى وأشهى الطعام ولو استطعتم ذلك!
القضية ليست البخل ولكن تعلم القناعة وأن الحياة ليست دائماً في وضع ثابت أو مستقر مادياً ، فيجب ألا تنفق كل دخلك على شهواتك وتغطية كل رغباتك فمن يستكثر الأيام أكثر .. هكذا كانوا يرددون على أسماعنا
كنا نفرح بتنفيذ طلب أو اثنين من قائمة طلباتنا الطويلة أنا وأخوتي.. كان القليل كثيراً فى أعيننا، وكان يسعدنا أبسط الأشياء .
أما الآن فقد عوَّد أغلبنا أولاده أن طلباتهم أوامر وليس مُهماً كيف تُنقذ ولا يعنيهم السؤال.. من أين أتيت به أو كم شقيت فى سبيل الحصول عليه..
وحين يكبرون.. يطمعون أكثر وأكثر، فإذا عجزت يوماً عن تلبية طلباتهم تُهان، وربما تُضرب، أو تُقاطع منهم لتنزوى بعجزك بين جنبات الحياة لا يسأل عنك أحد!
فلم يكن غلاف الحياة التى أسسناها يشمل القناعة والتقدير مع الحب، وربما لم نحسن التقدير بأن غرس القناعة فى أبنائنا إنما هو أساس بناء إنسان يعرف قيمة ما يقدم إليه ويقدر من يبذل من أجله العطاء.. وركز أغلبنا على القدرة الدائمة على تلبية الاحتياجات.. نعمل ليل نهار فى وطننا .. أو نغترب فى بلاد الله، ونتحمل ما لايطيقه بشر .. لا يهم .. فحرصنا وحناننا الزائد جعلنا بالنسبة لهم مجرد ألة صرف آلى.. ذلك أكبر أخطاء العمر- لو نعلم!
لذا ففى بعض الحالات لم يقتصر طمع الأبناء حين كبروا على مالنا فقط، بل وبيتنا الذى يأوينا، ليبيعوه ويتزوجوا ويعيشوا، أما نحن فلم نعد نعنيهم!
مما يجعل نتساءل والحيرة تملأ نفوسنا .. هل كان طعامنا القانع سبباً فى أن ننشأ ضعفاء أو بصحة عليلة ؟..هل كان وابور الجاز الذى ينشر رائحة الجاز الخانقة جيداً، أو البوتاجاز القديم بلا إشعال ذاتى، ولا أمان من تسريب الغاز سبباً فى موتنا؟.. وهل كان التليفزيون بدون ريموت ..بقناة أو قناتين، تذيع كل شيء.. البرامج، الأفلام، المباريات بلا أى امكانية لمشاهدة ما يعرض فى وقت آخر، أو بأى وسيلة أخرى كالفيديو أو الانترنت، سببًا فى ضجرنا أو جهلنا؟
الحقيقة أنه لم يكن الوضع أفضل ولا مريحاً عن الآن، ولكنه كان الأجمل..
فقد كانت حياتنا هادئة نقرأ ونتأمل ..نصبر ونتحمل ونتحرك ونرضى، فقد كان الدفء والأمان هو العنوان الأشمل للحياة ، كان الجمال، وكان الاحترام، وبلا مسؤوليات، أو على الأقل-مسؤوليات نطيقها ..فليس أصعب على الإنسان من ألا تمتد أيادى من كان سبباً فى وجودهم لتربت على كتفه أو تهدىء روعه بعد أن ذهبت قوته وحل الوهن..
" فليست المشكلة في الزمن، بل في الغلاف الذي نضعه لحياتنا... فإن كان غلافه القناعة والرحمة، صارت الحياة أجمل مهما تغيرت تفاصيلها."
ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به.
والى لقاء فى مقالات قادمة باذن الله
عبده عبد الجواد

تعليقات