ذاكرة التذوق.. وصوت الحقيقة - مقال


ذاكرة التذوق.. وصوت الحقيقة

مقال بقلم/ عبده عبد الجواد

حين تدخل سوق الخضروات اليوم، لا تدخل مجرد مكان للبيع والشراء، بل تدخل إلى ساحة اختبار لذاكرتك قبل أن تختبر عينيك. ترى الألوان متراصة بشكل جذاب، وتسمع النداء المعتاد: “بلدي… بلدي”، لكن شيئًا داخليًا يدعوك للتأمل أكثر مما يدعوك للشراء.

تمسك بالخيار فتجد لونه مختلفًا وحجمه مختلفًا، وملمسه له أحرف بارزة كالكوسة، وتمسك الجزر فتفاجأ بخشونة داخلية وألياف واضحة لم تكن تستوقفك من قبل. الطماطم حمراء من الخارج، لكن داخلها خليط من الأبيض والأخضر، كأن النضج اكتمل في اللون وتوقف في الجوهر، والباذنجان والفلفل وسائر الخضروات صارت حاضرة طوال العام، وكأن الفصول فقدت ترتيبها القديم.

وتمر بجوار الفاكهة فلا تلمس ذلك العطر الذي كان يسبقها إلى الأنف قبل أن تلمسها اليد، ولا ذلك الإحساس الذي كان يعلن عن نفسه من أول الشارع.. أما عن الأنواع فحدث ولا حرج كان البطيخ والشمام، وكان البرتقال واليوسفى .. الآن صار بين كل صنفين صنف وسيط هجين.. لا هذا ولا ذاك!

في الماضي كانت الفاكهة والخضروات تُخزن بوسائل بسيطة، ومع ذلك كانت تبقى أطول عمرًا وأقل عرضة للتلف السريع. أما اليوم، صار التلف أسرع في كثير من الأحيان، رغم الحفظ بالثلاجات، وكأن سرعة الوصول إلى السوق قابلتها سرعة في التلف.

ثم تمتد العين إلى الدواجن. الدجاج الأبيض والأحمر الذي ظهر منذ عقود، بأوزان كبيرة وحركة محدودة، مقابل الدجاج البلدي الذي كان أقل وزنًا وأكثر حركة، لكنه كان يحمل اختلافًا واضحًا في الطعم والتربية مما يجعل السؤال مطروحًا حول طبيعة ما نأكله وكيف يُنتج ؟

وعلى أرفف محلات البقالة صار الجبن مئات الأنواع والأشكال ومنها ما هو نباتى الدهن، وصارت السمن

مئات الأنواع والأشكال ومنها بالزيوت المهدرجة فإذا نصحنا أحد بشراء الأصناف الطبيعية صُدِمنا من ثمنها

الباهظ! ..فقد صار هناك اقتصاد يضغط، وسوق يطلب، وإنتاج يبحث عن الكثرة قبل الجودة، وأناس لا يمتلكون جميعاً القدرة على تمييز الحقيقة وحسن الاختيار، بل تتعامل مع المتاح فى حدود الامكانيات!

ثم يمتد السؤال إلى ما هو أعمق من السوق والطعام، إلى الإنسان نفسه..إلى ذلك الواقع الذي يلاحظ فيه كثيرون انتشار الأمراض المزمنة بعد سن الأربعين، فإن لم يكن الغذاء وحده هو السبب، فما الذي تغيّر في نمط الحياة وأنهك الجسد قبل أوانه؟ وإذا كان تعاطي الدواء لا يقطع جذور المرض، ولا يمنع عودة الأعراض فما السبيل للشفاء وما الدواء الحقيقي؟

يخرج بين الحين والآخر صوت يصف ما يراه الناس ويشعرون به، ويتحدث عن الغذاء والدواء وما تغيّر فيهما، وعن أثر ذلك في صحة الإنسان.. لكنه سرعان ما يُقابل بالتكذيب، أو بالتجاهل، أو يُترك وحيدًا في مواجهة صمتٍ طويل، حتى يتلاشى صوته مع الزمن.

وبعد أن تغير شكل وملمس طعامنا واختفت رائحته، تبقى ذاكرة التذوق شاهدة على اختلاف الطعم، وصدق باقى حواسنا ، ودافعًا إلى سؤالنا المُلِح عما تغير فى طعامنا ودوائنا وسلوكياتنا.. ويبقى الناس ينتظرون صوت الحقيقة فيما تغير فى نمط حياتنا عبر الزمن؟!

وإلى لقاء فى مقالات قادمة بإذن الله’’

عبده عبد الجواد 

تعليقات