فقراء في الانتظار-مقال

فقراء في الانتظار
مقال بقلم / عبده عبد الجواد
تحدث صديقى يوما عن صندوق كبار السن في أوروبا وكيف أنهم يهتمون بهم و يصرفون لهم العلاج والمواصلات ونفقات الحياة بشكل مجانى.. وبعد سنوات قرأت مقالا فارسلته له ليعلم أنهم صاروا في ورطة يعانون عجزا ويطالبون دولهم بالدعم بسبب أن كبارهم أفشلوا خطط دراساتهم الاكتوارية فعاشوا وتجاوزوا التسعين و المائة مما اثقل كاهلهم!
وتذكرت حين كنا في العمل حيث كان يصرف منح وهدايا عينية أو نقدية في مناسبات مختلفة.. علبة حلويات في المولد النبوى..شنطة شهر رمضان .. كعك العيد الصغير " الفطر" ..لحم العيد الكبير "الاضحى" وغير ذلك؛ وهذه لفتة كريمة من جهات العمل لإدخال السرور على قلوب الناس الذين يسعدهم القليل غير المتوقع عن الكثير المعتاد فتلك طبيعة البشر .
الآن صرنا تابعين لجهة وكأنها لا يعنيها بهجة الناس المسؤولة عنهم ولا يعنيها حتى أن يعتبروا ما يعطون صدقة و يحتسبوا أجرها عند الله..تلك هى الرسالة التى يشعر الكبار انكم ترسلونها لهم شهريا مع صرف المعاش انها هيئة التأمينات والمعاشات والتي تتصرف وكأنها جهة محدودة الامكانيات فتتعامل بمنطق الشح لا الرعاية فلا تفكر سوى أن تلقى لهم بالمعاش أول الشهر!
تقوم أغلب الجهات بتبكير صرف المرتبات للموظفين قبل قدوم الأعياد مثلا أو تصرف منحة ويعلن ذلك في كل وسائل الإعلام إلا أنهم لا يشملهم الإعلان ولا يشمل الناس التابعين لهم وكأنهم في دولة أخرى وعالم آخر مواز لعالم الموظفين ..
عند التعيين الحقوق و المستحقات واضحة حسب الدرجة الوظيفية أما حين إنتهاء الخدمة تبدأ دائرة الغموض فيصير راتبه الذى كان لا يكفيه حلما أو خيال ويدخل في معادلات أشبه بالخوارزميات مع متوسط راتب الخمس سنوات الأخيرة لينتج في النهاية ربع أو خمس الراتب الأصلي!
وحين يتذكر أحد النواب أصحاب المعاشات او ترفع القضايا تبقى في المحاكم لسنوات حتى تزيد عدة جنيهات بعد ولادة متعثرة !
فإما أن يستمروا بعد المعاش فى العمل بأى جهة ( إن وجدت) حتى يقضى الله أجله؛ أو تخضع لتعليمات جامدة لا تتغير من جهة التضامن الاجتماعى التى فعليا لا يشعر بتضامنها أحد
فتتركهم وحدهم في مواجهة أيامهم القاسية يعانون من فراغهم وصحتهم العليلة و جيوبهم الخاوية وقد تعودوا طيلة حياتهم أن يعطوا للآخرين من الأبناء والاقارب والفقراء؛
اليوم تجمدت أقدامهم وقبعت أجسادهم كالمشلولة بعد أن صارت كل حركة تتطلب مالا لا يملكونه فآثروا الصمت والسكون والانزواء فى موت بطيء لحياة لا قيمة أو معنى لها
الآن لا يصدقون أنفسهم ولا يستطيعون تخيل أنهم يمدون أيديهم ليطلبوا العطاء ولا يصدق أحد أن جهتهم الضامنة لهم-صاروا فقراء ..حتى هؤلاء الموظفون الأكفاء الذين أخطأوا فى صنع قانون التأمينات عبر العصور لم ينتبهوا لسوء فعلتهم إلا بعد أن ارتدوا الجلباب وصاروا يتكئون معنا على عصاهم في طابور الانتظار .
والى لقاء فى مقالات قادمة
عبده عبد الجواد

تعليقات