مع الاعتذار للحِمار-مقال

 

مع الاعتذار للحِمار

مقال بقلم/ عبده عبد الجواد
إذا أخطأ أحد الطباخين المهرة فزاد مقدار الملح في الطعام، فهو يلجأ فوراً لثمرة البطاطس، لتداوي خطأه وتمتص الملح الزائد في الطعام، وكأن لسان حال كل مخطىء يقول لثمرة البطاطس : "ألا تحبين الملح.. اشربي"!
وفي مجال العمل توجد طبقة لا يفهمون فى الشغل وهم ما يمكننا تسميتهم" الحمير فى الشغل" .. ولكنهم يتمتعون بالنفاق والتملق، والذى يسمى هذا العصر" الذكاء الاجتماعي" فيتظاهرون بمصادقة المميزين فى الشغل أو ما يمكن اعتبارهم "حمير الشغل" لكثرة جهدهم وأحمالهم فيه، فيلتقطون منهم "كلمة" من هنا "وفكرة أو مقترح" من هناك، ويطيرون لينقلوها لأصحاب الأعمال على أنها من أفكارهم اللولبية الملتوية أما عن ممارسة العمل الحقيقى فلا يعملون فى الحقيقة وإنما من يعمل هم هؤلاء الذين يستغلونهم، وكأن لسان حالهم يقول : " ألا تحبون الشغل؟.. احمِلوا وتحَّملوا" بينما يحصلون هم على النتيجة النهائية واللقطة والترقيات والمزايا أكثر ممن عملوا بالفعل!
إنه منولوج الحياة القاسى الذى عبر عنه إسماعيل ياسين قديماً : " فى ناس بتكسب ولا تتعبش وناس بتتعب ولا تكسبش.. ماتستعجبش ما تستغربش"!
ولكل شيء فى الحياة ثمن ففى بداية حياتك العملية عليك أن تختار : هل تبدأ بالعمل الحر من الصفر، وتغامر بتحمل كل المخاطر وتقلبات الأسواق؟
أم أنك تريد أن تكون موظفاً بأن يُحَدد لك عمل تقوم به وتحصل على الراتب آخر الشهر وانتهى الأمر؟
فأصحاب الإختيار الثانى -جبراً أو إختياراً -ليس لديهم مشكلة في الاستيقاظ المبكر والالتزام بتعليمات جهة العمل، وصعود السلم ببطء، وتحمل زيادة بسيطة سنوية في المرتب، فقد تربوا أن يكونوا موظفين وامكانياتهم الأسرية والشخصية المادية بسيطة، ولم يتعلموا الاستقلال أو الاعتماد على النفس أو المغامرة، فهم دائماً قلقون أن يفقدوا عملهم، مما يضطرهم لتنازلات تفوق طاقة البشر وتمتد لسنوات، تبدأ باثبات ذاتهم، ثم للحفاظ على دخل أسرتهم بعد زواجهم وهكذا، فلكل فترة عمرية مبرر للاستمرار!
وبينما تطحن رحى الحياة أصحاب إختيار العمل الحر ، ورغم اشتراكهم مع عامة الناس في الضغوط والأمراض إلا أنهم بشكل عام قد تكون ظروفهم المادية أفضل نسبياً على الأقل لتعودهم الإدخار فيمتلكون ما يؤمنهم ولو لفترة-من نوائب السنين أو على الأقل- ما يعالجون به أنفسهم اذا مرضوا .
أما أصحاب إختيار الوظيقة فقد أضاع الكثيرون منهم أعمارهم حُباً في العمل فكانوا صيداً سهلا لأصحاب العمل ليزيدوا مرتباتهم بالقطارة على أساس أنهم في جميع الأحوال لن يتركوهم، وكانوا صيدأ ثميناً أيضاً لطبقة الأذكياء المتملقين فاستغلوهم أسوأ استغلال.
فمن امتلك الثقة فى الله أولاً- ثم في ذاته، وغادر فقد نجا من تلك البيئة الموبوءة من أن يكون كثمرة البطاطس، يحمل خطأ مهرة التملق في مطبخ الحياة، فيشرب الملح، أو يكون كحمير الشغل، فيشقى بالأحمال ويعيش بالفتات طيلة حياته بينما ينعم -باستغلال أفكاره وما يستحقه من مال- أصحاب الأعمال، وما يدَّعون كذباً أنهم أصدقاؤه من "الحمير فى الشغل"!
مع خالص الاعتذار لكل حِمار بدءاً من حِمار الحكيم.
والى لقاء في مقالات اخرى باذن الله؛؛
عبده عبد الجواد

تعليقات