هل انتصر الجميع حقًا؟
مقال بقلم / عبده عبد الجواد
في مشهد قديم تشاجر البلطجي أو فتوة الحارة مع أحد الناس المسالمين ، فكان الطبيعي أن يصاب الضعيف بكسور وجروح في جسده، فكانت تلك الإصابات علامات نصر للبلطجي إلا أنها كانت عادية ومتوقعة من الجميع.. إلا أن الضعيف وهو يدافع عن نفسه قطع ملابس الفتوة وجرحه بأظافره بعمق في وجهه فجعله يدمى، والعلامات واضحة ومخزية له أمام الناس فصارت محور حديثهم وصار نصر القوى بلا طعم.
وفي مشهد حروب عصرنا، يخرج كل طرف ليعلن انتصاره، مستندًا إلى روايته الخاصة، وكأن الحقيقة لم تعد واحدة، بل وجوهًا متعددة، لكل وجه من يدافع عنه.
لم يعد النصر واحدًا، بل تعددت صوره..نصرٌ عسكري بالقوة، ونصر سياسي بفرض الشروط، ونصر إعلامي بكسب التعاطف ونصر نفسي بالصمود.
وبين نصر يقاس بالأرقام، وآخر يقاس بالثبات، وثالث يُصاغ في الروايات تتسع المعاني حتى تكاد الحدود تتلاشى بينها..
في الماضي، كان النصر واضحًا : هزيمة جيش، احتلال أرض، أو استسلام معلن. أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة الحروب، وتبدّلت معها معايير النصر. لم تعد المواجهة دائمًا بين قوتين متكافئتين، فقد تكون حربًا غير متكافئة كحرب غزة بين دولة ترسخت كواقع قائم، وفكرة دولة ما زالت تعيش في وجدان مؤيديها دون أن تتحول إلى واقع مكتمل..
وبينما يرى القوى أنه انتصر بتدميره كل شيء وإضعاف قوة المنافس ليبرر تكلفة الحرب المادية والبشرية لديه؛ أو لضمان بقائه بالسلطة لأغراض انتخابية..
يرى الضعيف أنه انتصر بالصمود وإلحاق الأضرار بعدوه المحتل لأرضه،والذى فرض عليه الحصار لسنوات، فلم يكن أمامه اختيار سوى القتال ليشعر به العالم الصامت المناصر بالباطل للقوى المحتل.
وكذلك الحرب بين أمريكا واسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
أعلنت كل الأطراف الانتصار، ولكل روايته ورؤيته، فهل انتصر الجميع حقًا؟
ربما نعم..إذا تعددت المعايير وتباينت الزوايا فالقوي يرى انتصاره في تدمير قدرات خصمه، وامتلاكه قوة تمكّنه من فرض إرادته،
بينما يرى الآخر أن صموده انتصار، وأن كسب التعاطف وإظهار قضيته وكشف ما يتعرض له يمثل مكسبًا سياسيًا ومعنويًا.
ليظل المعيار الحقيقي للنصر إنسانيًا قبل أن يكون عسكريًا.
فالمنتصر الحقيقي ليس من يملك القوة الأكبر، ولا من يفرض روايته الأقوى، بل من يلتزم بحدود الإنسانية في أشد اللحظات قسوة، ويستجيب لنداء السلام، حفاظًا على ما أنجزته البشرية من حضارة، وعلى ما تبقى فيها من إنسان، ومن لم يفعل، فليس نصره إلا صورة أخرى لانتصار البلطجي مهما تغيّر الزمان.
والى لقاء فى مقالات قادمة،،
عبده عبد الجواد

تعليقات