الإنسانية ووهم الردع-مقال


الإنسانية ووهم الردع

مقال بقلم/ عبده عبد الجواد

لقد خلقنا الله شعوبًا وقبائل لنتعارف ونتعاون-لا لنتصارع، ولو بحثنا داخل قلوب الشعوب جميعاً، لوجدنا فطرة إنسانية ترفض الحرب والقتل والقهر والتجويع والإذلال، مهما كانت ديانتهم أو معتقداتهم، وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال هام : لماذا تتغير أفكار حُكام الدول حين يحكمون وهم أشخاص من هذه الشعوب؟

يرى البعض أن رؤية الشخص لابد أن تتغير حين يكون مسؤولاً عن شعب عن كونه فرداً عادياً منه، حيث يفكر فى العالم من حوله وموازين القوى وبالتالى يفكر فى حماية الوطن بعلاقات اقتصادية مع الأصدقاء، كما يفكر في وسائل ردع للأعداء المتوقعين، أو يعلن الحرب على الأعداء الحقيقيين، مما قد يتسبب فى ضغوط اقتصادية على الشعوب، وقد يضطر للصالح العام لتقييد الاعلام وغير ذلك من القيود للحريات.

بينما تبقى رؤى الشعوب على فطرتها الإنسانية حيث لا ترى الصورة كاملة، ويتساوى فى ذلك الفكر كل الدول وأعتى النظم الديمقراطية فلم تنقل كبرى المحطات العالمية تفاصيل الحرب فى غزة وقمع الشعوب الأوربية الرافضة لهذه الحرب، فلم تشعر الشعوب وتدرك حقيقة قضية فلسطين إلا بعد عامين من الحرب والدمار والقهر.

ورغم الرقابة الشديدة على الإعلام ووسائل التواصل استطاعت الإنسانية أن تتسلل إلى القلوب، ورأينا الجنازات التمثيلية لشهداء غزة في شوارع أوروبا حيث بكى الغرباء كأنهم يشيّعون أهلهم، وأثر فينا مشهد الأرجوحة على سور الحدود الحديدى بين أمريكا والمكسيك رغم توتر العلاقات، حيث اجتمع أطفال الشعبين على الفرح بعيداً عن حسابات السياسة، وخرجت الشعوب فى أوروبا ترفض التورط فى الحرب بين أوكرانيا وروسيا .. فبينما يرى الساسة أهمية الحفاظ على كبرياء الحلف وتفعيل الدفاع المشترك، ترى الشعوب ذلك توسيعاً لنطاق الدمار والقتل!

حين تعلم الشعوب الحقيقة فقد يكون هناك نقطة تلاقى بين رؤية الحكام والشعوب فى ضرورة إعلان الحرب إذا لم تكن ظلماً أو طمعاً فى ثروات الآخرين، وقد تختلف الرؤى فى وجود سلاح ردع نووى تحديداً، أو فى أسلحة أخرى أقل تكلفة وتردع أيضاَ حتى لو طغى ذلك على الظروف الاقتصادية والمعيشية للشعوب، ولأن هناك معاهدة حظر الانتشار النووى، والتى وُضعت في واقعٍ إمتلكت فيه الدول الكبرى هذا السلاح بالفعل، مما يثير تساؤلات حول عدالة تطبيقها.

فلم يمنح امتلاك أسلحة الردع للقوى الكبرى الشعور بالأمن لشعوبهم وقت الحرب الباردة، ولم يمنع الحروب بشكل عام فى العالم، فحتى لو امتلك الجميع ذلك السلاح القاتل لن يشعر أحد بالأمن .

الواقع أن الدول ستدخل فى حسابات أخرى منها : عدد القنابل التي تملكها كل دولة، واحتمال المباغتة، وما يتطلبه ذلك من مراقبة العلاقات وتطورها وإعداد أجهزة الإنذار المبكر، والأقمار الاستخباراتية و..و..!

مع كل هذه الحسابات، يبقى الأمان بعيداً.. لأننا وسط سباق التسلح نسينا شيئاً أعظم وهو الإنسانية تلك هى القضية التى نسيها الجميع أو تناسوها بين معتركات السياسة، والتى لا تمنع إمتلاك وسائل الردع العسكرى دون التخلى عن ضوابط الردع الاخلاقى.

حين تستيقظ الإنسانية تُحيي الضمائر، وتختار الشعوب حكاماً صالحين-حكماء لا سياسيين متلاعبين، ويصبح الإعلام صادقًا لا موجَّهًا، عندها فقط نكتشف أن الضمائر الحيّة أقدر على الردع وصناعة الأمان عن ملايين القنابل النووية، وأن ردع الالتزام بأخلاق الضمير الانسانى أقوى من ردع القلق والخوف رغم امتلاكنا القنابل.

وإلى لقاء فى مقالات قادمة باذن الله،،

عبده عبد الجواد 

تعليقات