حرب الجُبناء وقتال النُبلاء


حرب الجُبناء وقتال النُبلاء
مقال بقلم/ عبده عبد الجواد
تغير وجه الحروب فلم تعد الحرب في ساحة واحدة وجها لوجه بلقاء العيون قبل السيوف بل ذهبت السيوف وجاءت النبال والرماح فضعفت قوة حامل السيف مقابل من يطلق الرمح من بعيد دون أن تطاله يد الفارس أو سيفه حيث يختبىء خلف دروعه.
وتطور الجدار العازل بين المتقاتلين فصار الرصاص والبارود ومناطق احتلال أمنية ثم صار جدار منيعاً من الشاشات والأزرار تراقب وتطلق الصواريخ وتوجه الطائرات الشبحية التى لا تراها أجهزة الرادار فقد تخطى الموضوع وصار أبعد ما يكون عن لقاء العيون أو نزال الفرسان وقتال النبلاء.
ومع تطور أدوات الحرب والشعور بالقوة نزغ الإنسان بقوة أيضاً في إتجاه الظلم والغطرسة والاستيلاء على ثروات الآخر أو إخضاعه ليكون ظهيراً لى وإما يصير عدواً فصار اتخاذ قرار الحرب سهلا والرغبة والقدرة على إيقافها صعباً .. وصارت حسابات الحرب تتضمن تكلفة الطلعات الجوية الشبحية والمسيرة والصواريخ والجنود القليلة التى نفقدها والحسابات الحزبية والانتخابية لضمان البقاء في السلطة، هى فقط ما يحسب له حساب الآن من وجهة نظر القوى الذى يستشعر في نفسه القدرة على فعل ما يريد.
أما التكلفة على الجانب الآخر فلا بأس من تدمير المبانى والمستشفيات والمدارس وقتل الاطفال والنساء فقد صار منطق القوة وتلاقى المصالح يجمع الأقوياء وأما عن القانون الدولى فلا مانع أن نلتف حوله أو حتى نتجاهله فمن سيحاسبنا فيمكن أن تعترض بعض الأصوات منا مع أهل الشجب والتنديد من الضعفاء لتجميل المشهد ولو قليلا.
وفى لحظة فارقة كان لابد أن يتخلى الضعيف عن سيفه ورمحه فطور رماحه ونباله وحملها ما يمكنها أن تحمل من بارود ومتفجرات فصارت صاروخا أو مسيرة قدر المستطاع ثم طور مداها لتصل لعمق العدو الذى يحاربنى من بعيد فلا يمكنه أن يبقى مكانه فلم يعد زمن الفرسان ولا حروب النبلاء فكان لابد أن يغير ويطور أدواته ليبحث عن أى ثغرة في جدار تلك القوة الغاشمة وليزرع الخوف في قلب عدوه الذى لن يتوانى عن مهاجمته طالما لمس ضعفه.
أنها معادلة قاسية لتبدل أخلاقيات الحرب من تدمير الثروات والبنيات الأساسية، وتدمير مدن كاملة، وقصف مصادر المياة والكهرباء وغيرها وليمت من يمت من المدنيين أو الجنود ومن يحيا بعد الحرب لا يجد وسائل الحياة وكل ذلك في مقابل عدم قتل أحد جنود القوى صاحب التطور التكنولوجى والانحدار الأخلاقى أيضاً.
وقرأت شعوب المهاجمين أخبار الحرب بقلوبهم قبل عيونهم فوجدنا الكثير منهم يقرأون عنا وعن شرعنا وأخلاقنا فلم يجدوا الحض على الكراهية والإرهاب بل وجدوا سلاماً وتسامحاً، ووجدوا تحريم الغدر والخيانة للعهود ووجدوا أخلاق الحروب فلا إفساد لزرع ولا قتل لمدنى أو شيخ أو طفل ووجدوا المبادرة للسلام فوراً إذا جنح من يقاتلك له، ووجدوا كرامة للميت فلا تمثيل بجثته بل تحفظ كرامة الإنسان، فلا تسقط كرامته بموته.
وتحولت محنة ضعفاء العصر من أهل الإسلام إلى منحة إلهية باعتناق البعض من شعوب أهل التقدم والتكنولوجيا للاسلام ليشهد عليهم شاهد من أهلهمـ ويضع قادتهم على المحك في اختبار لشجاعتهم بالعودة لأخلاق الفرسان وقتال النبلاء والالتزام بأبسط أخلاقيات الحروب.
"فليست الشجاعة في امتلاك زرٍ يقتل من بعيد، بل في امتلاك ضميرٍ يمنعك من الضغط عليه."
والى لقاء فى مقالات قادمة

عبده عبد الجواد 

تعليقات