خناقة شوارع عالمية
مقال بقلم/ عبده عبد الجواد
حين تسمع عبارة «خناقة شوارع» يتبادر إلى الذهن مشهد مألوف:
أصوات مرتفعة، أيدٍ متشابكة، وربما عصيّ أو حجارة تتطاير في لحظة غضب.
قديماً كانت الخناقات بسيطة في أدواتها وأسبابها؛ تبدأ بجدال
بين صبيان الحي، أو بسبب كلمة قيلت في لحظة انفعال، أو حتى بسبب ماء غسيل تساقط من
شرفة على جارٍ في الأسفل. لكنها – رغم ضجيجها – لم تكن تخرج غالباً عن حدودها
الصغيرة.
وكان هناك دائماً ذلك الرجل الذي ينتظره الجميع..كبير الحي.
لا يحتاج إلى قوة جسدية ولا إلى مال كثير، يكفيه احترام الناس
له.
يصل متكئاً على وقاره، فيقول كلمة قصيرة: "عيب يا أولاد…
خلاص"
فتخفت الأصوات، وتنخفض الأيدي، وينصرف كلٌ إلى بيته وفي قلبه
بقايا حياء.. لكن الزمن تغيّر.
تطورت خناقات الشوارع؛ لم تعد الأيدي والعصي وحدها حاضرة، بل
دخل الطوب والزجاج، ثم الأسلحة البيضاء، وأحياناً الأسلحة النارية.
ومع تطور الأدوات تطورت أيضاً الأسباب؛ لم تعد مجرد مشاجرات
عابرة، بل صارت صراعاً على حقوق تُسلب، أو مصالح تُنهب، أو قوة تُفرض على الضعيف..
والأهم من ذلك أن كبير الحي اختفى.
لم يعد هناك حكيم يقف بين المتخاصمين ليعيد إليهم رشدهم.
حلّ محله نوع آخر من “الكبار”: رجل أنيق المظهر، لامع البدلة،
واسع الثروة، لكنه لا يعرف في العلاقات الإنسانية سوى لغة واحدة… لغة المال والقوة.
وإذا تأملت حال العالم اليوم، ستجد أن ما يجري بين الدول لا
يختلف كثيراً عن تلك الخناقات.
صراعات، تهديدات، استعراض للقوة، أسلحة تتراكم، وتحالفات
تُبنى لا على العدل بل على المصلحة.
لم يعد القانون الدولي هو الحكم الحقيقي، ولا العدالة هي
الغاية المرجوة، بل صار الحكم – في كثير من الأحيان – لمن يملك القوة الأكبر.
وفي خناقات الشوارع الحديثة، حين يغيب الحكيم، لا ينتهي
النزاع بصلح كريم، بل غالباً ما ينتهي بصفقة.
يجلس الأقوياء بعيداً عن الضجيج، يتفقون على اقتسام ما يمكن
اقتسامه: أرض هنا، نفوذ هناك، موارد في مكان آخر.
أما الضعيف – صاحب الحق أحياناً – فليس طرفاً في المفاوضة، بل
مجرد بند في الاتفاق.
وهكذا يبدو المشهد الدولي أحياناً: قوى كبرى تتفاوض، وأخرى
تتصارع، بينما الحقوق تتحول إلى أوراق على طاولة المصالح.
والأعجب أن العالم يتابع ذلك كله كما يتابع الناس خناقة شارع
من بعيد.
يتجمع المتفرجون، يتبادلون التعليقات، وربما يرفع بعضهم أيديهم بالدعاء أن تهدأ الأمور..لكن قلة قليلة فقط تفكر في السؤال الأصعب : أين الحكمة؟ وأين العدالة؟
لقد تقدمت الحضارة في أدواتها وتقنياتها تقدماً هائلاً، لكن
السؤال المؤلم يظل قائماً : هل تقدم الإنسان بالقدر نفسه؟
فحين يغيب صوت الحكمة، ويُستبدل القانون بمنطق القوة، والعدل
بمنطق الصفقات، يصبح العالم – مهما تزين بالمدنية – أقرب إلى شارع تتصاعد فيه
خناقة كبيرة..خناقة لا ينتظر فيها الناس حكيم الحي…
لأنهم بدأوا يدركون أن الحكيم لم يعد موجوداً، وأن الكبير
الآن ليس أعدلهم، بل أقواهم فقط.
والى لقاء فى مقالات قادمة باذن الله،،
عبده عبد الجواد

تعليقات