حين يركض الزمن- مقال

 

حين يركض الزمن

بقلم/ عبده عبد الجواد

لم يكن الإنسان قديمًا يملك من الوسائل ما نملك اليوم، لكنه كان يملك ما فقدناه : الزمن الهادئ..

كان اليوم يبدأ مع سكينة الفجر، وينتهي مع هدوء الليل،وبينهما متّسع للتأمل والحديث، والعمل، والطمأنينة وسائر أمور حياته.

أما نحن، فقد صارت ساعاتنا مزدحمة أكثر من شوارع المدن، وضجيجها أعلى من أصواتنا..تسارعت الآلات، فركضت معها الأرواح، وقد قال النبى الكريم صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة وتكون الجمعة كاليوم.. ()

لم يقل النبي إن الزمن سيقصر في عدد ساعاته : بل في إحساسنا به فالزمن كما نعيشه اليوم، لم ينقص لكنه فقد بركته، وتبدّدت سكينته، وصار يجري كالماء من بين أصابعنا، وكأن الأيام صارت أوراقًا تُقلب لا تُعاش وبقليل من الذكريات!

نخطط للأيام، فإذا بها تسبقنا، ونؤجل الأحلام، فإذا بها تشيخ قبل أن تولد..صرنا نختصر المسافات، ولم نشعر اننا نختصر التعب.. يوفر التقدم لنا الوقت لكنه يهرب منا بلا إنجازٍ يطمئن قلوبنا، فالروح مثقلة، والعين متعبة تائهة عبر الشاشات!

لقد تحققت النبوءة في إحساسنا قبل أعيننا وتمر السنة كأنها شهر، واليوم يلمع ثم ينطفئ كشرارة الخطر الحقيقي في غفلتنا عنه..نركض ولا نسأل: إلى أين؟ نملأ الأيام بالأعمال، وننسى أن نملأها بما له قيمة وأجر ومعنى من تلك الأعمال.

فإذا كان هذا التقارب من علامات الساعة وجب الإنتباه أكثر وأكثر و لننشغل أكثر بوقتنا المتاح وليستشعر كل منا قيامته وضيق وقتك ونعمل لها " كأنك تموت غداً ".

إن تقارب الزمان ليس عقوبة، بل إنذار رحمة أن انتبهوا فالوقت رأس مالكم، والعمر ليس بعدد السنين، بل بما نزرعه فيها من نور.. فطوبى لمن أدرك وقته ببركة الشعور والحضور، ورُزِقَ تدبر النعمة ونعمة التدبر؛ وتمهل الحكمة وحكمة التمهل..و رُزِقَ سكينة العبادة،

فالزمن يركض لكن من عرف وجهته، لا يضيع وقته وتفر نفسه إلى طريق ربه ولا تقر روحه إلا في عبادته؛ فالقلب الذي يعرف الله لا يخشى سرعة الأيام.

وإلى لقاء في مقالات قادمة بإذن الله،،

عبده عبد الجواد

****************************

★ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار) رزاه الترمذى عن أنس . "والضَّرَمة: الوَقت المُستَغرَق بمِثْلِ ما يُشعَل به النَّارُ وانطفائِه"


تعليقات