نهضة أمة بين الصمت والثرثرة - مقال


نهضة أمة بين الصمت والثرثرة
بقلم / عبده عبد الجواد
كم من خطر مرّ أمام أعيننا، واخترنا الصمت، لا لأننا لم نره، بل لأننا لم نشأ أن نتحمل مسؤوليته. وكم من كلمة خرجت منا، لم تكن ضرورية، لكنها مضت، وتركت أثرها سلباً على غيرنا..تلك لحظة فارقة حين نعى متى نتكلم ومتى تصمت؟
تهتز الأرض تحت أقدام جيش سليمان عليه السلام الذى لا يُرى آخره، والغبار يسبق الخطوات، والصوت يسبق الاصطدام.
ماذا كان سيحدث لو أن تلك النملة صمتت؟
فلم يكن بينها وبين الموت سوى لحظات..كان يمكنها أن تنجو وحدها، وتختبئ في شقٍ ضيق، وتترك الأمر لقانون النجاة الفردية. لكنهـا لم تفعل. توقفت، والتفتت، وقالت:"يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم…"في تلك اللحظة، لم تكن مجرد نملة تحاول النجاة بل كانت ضميراً يعلو بصوته عن صوت الخوف داخلها.
تمر القرون، ويتغير المشهد، ويبقى المعنى.
رجل يقرأ القرآن، وصحابي يسمعه. آية تُتلى : "وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّهُ بكلماتٍ فأتمهن "(سورة البقرة: 124)
لكن حركة واحدة في آخر كلمة نقلت الفعل من موضعه، وأعطت المعنى وجهًا آخر. لم يكن الخطأ ظاهرًا لكن أُذناً تُمَّيز ببصيرة العلم سمِعَتها : (ابراهيم) بضم الميم، (ربه) بفتح الباء ،فانقلب المعنى وتبدل الفاعل وهو الله إلى مفعول به!
كان يمكن للصحابي أن يمضي. أن يقول في نفسه:سيصححها غيري. أو لعل الأمر لا يستحق التوقف لكنه توقف، وصحح، لم يكن يدري أن يقظته تلك التي لم تستغرق سوى لحظات، ستكون بذرة لعلم كامل. أن حركات ستُضبط، وقواعدستُكتب، وأن لغة بأكملها ستجد طريقها إلى الثبات بعلم النحو والصرف، لأن إنسانًا واحدًا رفض أن يصمت حين رأى المعني يوشك أن ينزلق. ذلك الكلام الايجابي في وقت الصمت المنبوذ هكذا تبدأ الأشياء الكبيرة من موقف صغير لا يراه أحد مهمًا في حينه .
هناك نوع آخر من الكلام السلبى لا يُنقذ ولا يحمي، بل يكشف بلا وعي. أشار إليه القرآن بدقة كاشفة:
"وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به" النساء 83
لم يصمتوا حيث يجب الصمت، ولم يتكلموا حيث يجب الفهم والوعى قبل الكلام بل أذاعوا الخبر قبل أن يدركوا أثره.
لم يكن الكلام هنا مسؤولية، بل كان تخلّيًا عنها بكلامهم
فليس مطلوبًا من الإنسان أن يتكلم دائمًا، ولا أن يصمت دائمًا، بل أن يدرك لكل موقف كلمته، ولكل لحظة مسؤوليتها.
نهضة الأمم لا تبدأ بخطبة، ولا تُعلنها الضوضاء.. تبدأ حين يرى إنسان ما يجب أن يُقال فيقوله. وحين يرى ما يجب أن يُصان فيصونه، ولو بصمته..
فقد تنجو أمة لأن نملة لم تصمت.وقد يُحفظ معنى لأن إنسانًا لم يتردد وتكلم بمسؤولية.وقد تتراجع الأمم حين يختلط الصمت الواجب، بالكلام الذي لا ضرورة له.
والى لقاء قريب باذن الله،
عبده عبد الجواد

#Abdou_Abdelgawad 

تعليقات