صدقة الجيوب والقلوب
مقال بقلم/ عبده عبد الجواد
إذا ذُكِرت الصدقة، فكرْتَ في جيبك وما لديك من مال، وفي احتمالات الغد ومتطلباته، فإذا ما صادفك من يطلبها في الطريق، فبحسب إيمانك وقناعاتك قد تُعطي بسخاء، وقد تمتنع أو تتردّد في مدّ يدك إلى جيبك، ولك أسبابك ولسان حالك يقول : إنه متسول ولا يستحق فيضيع الثواب!
وهناك صدقةٌ أخرى ليست من الجيوب، بل من القلوب؛ هي كلمةٌ أو همسةٌ لا تُرهق اللسان، أو ابتسامةٌ في وجه أخيك لا تُكلِّفك شيئًا، لكنها تُزهِر في القلوب عمراً .. هي نبعٌ يروي عطش الأرواح، غير أنّ الناس في زمن الجفاف العاطفي بخلوا بها، كأنها تخرج من كنزٍ خفيّ.
قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: الكلمة الطيبة صدقة، وقال أيضًا: تبسُّمك في وجه أخيك صدقة. فكم صدقةً ضيّعناها، ظناً أنها لا تُغني ولا تُسمن!
في البيوت التي خَبَتْ فيها حرارة المشاعر، تسير الأيام كخطواتٍ باهتة؛ الأب يعود متعباً، والأمّ تسابق الوقت، والأبناء يغرقون في شاشاتهم، فلا يسمع أحدهم كلمة: شكراً أو أحسنت أو بارك الله فيك؛ كأن اللطف صار رفاهية، وكأن الامتنان ضعف.
لكن الحقيقة أن الحياة الأسرية لا تقوم فقط على الواجبات، بل على تلك الكلمات الصغيرة التي تُرمّم المعاني الكبيرة؛ على نظرة تقدير، أو جملةٍ تشبه الدعاء.
وفي ساحات العمل، يموت كثيرٌ من الحماس عطشاً لكلمة، كم من موظفٍ اجتهد في صمت، فلم يجد سوى صمتٍ أكبر! وكم من مديرٍ ظنّ أن الكلمة الطيبة تُفسد النظام أو تُغري بالغرور، فآثر الصمت، لا يدري أن الثناء الصادق لا يصنع كِبْراً، بل يُوقظ في النفوس جمالها الكامن، وأن المدح في موضعه لا يُفسد بل يُثمِر؛ فماتت الروح قبل الجسد الوظيفي!
فالمدير الحكيم هو من يعرف أن الكلمة الطيبة ليست مجاملة، بل فنّ قيادة، يعرف متى يُثني، وكيف يزرع الكلمة في أرضٍ تستحقها، لا يخاف أن يقول أحسنت لمن أحسن، لأنه يدرك أن العدالة في اللفظ جزءً من العدالة في العمل، يُميّز بين الجهد العابر والعطاء النادر، فيُطلق كلمته بثقةِ من يعرف أن الكلمة الصادقة تُنبتُ ولاءً، لا غروراً.
يا لروعة الكلمة الطيبة أو الابتسامة الصادقة، كم تُصلح ما أفسده الصمت، وكم تفتح نوافذ الأمل، وتُعيد الدفء إلى المكان، وتُذكّرنا أن أجمل الصدقات ليست من الجيوب، بل من القلوب؛ تلك التي إذا صدقتْ انعكس صدقها على الألسنة فتنطق بالخير، وعلى الوجوه فتشرق ببريق الابتسامة.
فإن ضاقت اليد، فلتتّسع الكلمة، وإن شَحَّ الزمانُ بالعطاء، فلا تبخلْ أنت بابتسامةٍ أو ثناء؛ فرُبّ كلمةٍ واحدةٍ أحيَتْ روحاً، ورُبّ ابتسامةِ رضا أو نظرةِ تقديرٍ صنعت إنساناً جديداً .
والى لقاء قى مقالات قادمة باذن الله،،
عبده عبد الجواد

تعليقات