عصر الصفقات
مقال بقلم/ عبده عبد الجواد
يوم كان البشر بشراً احتشدوا بعلمهم و أبحاثهم للتصدى للمرض،
و هرعوا لإيقاف نزيف الدم و الحروب، فحين علا صوت المصالح والمكاسب، صرنا نسمع
كلمة "الصفقة" أكثر من "الاتفاقية" فتغيرت الأحوال!
تعرض البشر عبر العصور لملوثات في طعامهم و
شرابهم، وعبر الهواء الذى يتنفسونه، وعبر جلودهم، فمرضوا و قاسوا من أعراضها
وآلامها، ومات الكثير منهم حتى أُكْتشف العلاج بأمصال و لقاحات وغيرها.
وفي النهاية خفتت رهبة المرض في القلوب، وصار
الطاعون و الجدري و الدرن( السل) و الكوليرا و الإيدز أمراضاً أليفة محددة الأعراض
والعلاج وصارت أمراض أخرى تحت السيطرة المؤقتة كالسكر والضغط تحت مسمى الأمراض
المزمنة.
ليبقى سبب التأخر عن
علاج المرض اللعين علامة استفهام كبرى؟!
تتعرض بعض الشعوب لملوثات فكرية خارجية، تبث الفُرْقة بين
مكوناتها الوطنية تحت عناوين براقة مثل الدين والحرية والديمقراطية والعدالة،
وتستقطب البعض منهم و تحثهم على التواطؤ -ويتم ذلك بهدوء وعبر سنوات- للوقوف ضد
الوطن ليفاجأ الباقين بجزء من جلدتهم يقفون في وجوههم بالسلاح و يقتحمون حرماتهم وتُدَّمر البلاد وينتشر الخراب والفقر ومعهما الأوبئة والأمراض التى لا يمكن إمداد
الناس بعلاجها فيموتون!
هؤلاء كذلك الداء اللعين الذي يتحرك في صمت داخل
الجسد البشرى يتعرض للملوثات ولا يُظِهر أعراض بل يتحرك خفية فيغير طبيعة بعض
الخلايا ولا يظهر في تحاليل أو أشعة.. فكأنما تتواطأ تلك الخلايا مع ذلك المؤثر
الخارجى ضد باقى الجسد!
أخطر أمراض الأجساد ما صمت منها وتحرك داخلها بلا أعراض
خارجية لنستشعر الخطر و نتحرك للعلاج.
وأخطر أمراض الأوطان التى تتحرك أوجاعها من
الداخل ونغض الطرف عنها
ونتأخر فى علاجها. حتى تتفاقم .. من تعليم نتيجته
الملايين من الجُهَّال رغم حصولهم على شهادات، وفقر واقتصاد هش رغم توافر الموارد
المادية والبشرية دون استغلال حقيقى، ليرافق الفقر والجهل ضلعهم الثالث الملازم
لهم وهو المرض وكأنهم أسمونا العالم الثالث لتلازم الثلاثة فى مجتمعاتنا!
فهل تواطأ العالم المتقدم في الإعلان عن دواء
نهائي لذلك الداء كما تواطأ مع أناس ضدنا -يعيشون بيننا ؟!
فمع انتشار كلمة الصفقات بدلاً من الاتفاقيات..
تحولت القيم إلى مصالح، والعلاج إلى تجارة، والإنسان إلى ورقة تفاوض، وصارت
القوانين والأعراف الدولية سراباً، فلا عجب أن تنتشر الفتن وتستمر الحروب وبيع
السلاح، وتنتشر أمراض البشر من الأوبئة، وأمراض الأوطان من الفُرْقة بين البشر.
ويستمر السكوت والمسكنات
حتى يكون العلاج يوماً ما-صفقة مناسبة لكبار العالم وأتباعهم من الفاسدين
والمنتفعين.
وإلى لقاء فى مقالات قادمة بإذن الله،،
عبده عبد الجواد

تعليقات