الاختيار الوحيد- مقال

الاختيار الوحيد
مقال بقلم/ عبده عبد الجواد
تربينا على احترام الكبير وأن نحسب له ألف حساب، وحسب ما أمرنا الشرع الحنيف فلا نرد عليه ولا نتكلم أو نقاطعه حين يتكلم، إلا بعد أن ينهى كلامه وبكلمات قليلة وتقاس بميزان الذهب، أو نصمت ونترك كلماتنا حبيسة داخلنا لو كان قولها سيجرحه أو يسيء إليه من منطلق الأدب الذى فُضِل على العلم ، والأكبر منك بيوم يعرف عنك بسنه، وقبل كل ذلك "ليس منا من لم يوقر كبيرنا" .. فهو ليس الخوف والجُبن من بطش سلطة الكبير فقد يكون على المعاش و بلا سُلطات..أما عن أفعال بعض الكبار وتصرفاتهم التى تلزمنا الصمت احتراماً وحرصاً فحدث ولا حرج!
في بيوت الله، حيث يفترض أن تهدأ الأصوات قبل أن تهدأ القلوب، يقف الصغير متردداً بين ما يراه وما يشعر به، يرى مخالفةً يعرف في قرارة نفسه أنها لا تليق بالمقام، يدخل الكبير المسجد فيلقى السلام يميناً ويساراً على كل أصدقائه ومن يقابله بصوت مرتفع ويردون عليه بضجيج..وفى انتظار الصلاة يتحول المسجد إلى مجالس أحاديث دنيوية وقد كان يُعلمنا قديماً أن المسجد بيت الآخرة وأن الحديث فيه صلاة وذكر وترتيل وتسبيح!
يدخل الكبير مبكراً، لا ليجلس، بل ليحجز المكان، كأن الصف الأول قطعة ميراث، أو شهادة أقدمية لا تُنازع، يضع سجادته وسجاجيد أصدقائه كعلامة حدود، ثم يمضي، مطمئناً أن المقاعد محفوظة، ولو تأخرت الأجساد..أما الصغير فيكتفى بالتأمل بصمت وهو يرى الفراغ محجوزاً باسم الغياب، فيخفض بصره، ويتراجع خطوة، أو خطوات حتى يستقر في الصف الثاني، لا زهدًا، بل احتراماً، ولا رضا، بل صبراً.
فالكبير في أعيننا ليس مجرد عمرٍ تقدّم، بل تاريخ، وملامح تعب، وسنوات وقوف طويلة في صفوف الصلاة، فكيف للصغير أن يرفع صوته-ولو همساً-أمام من سبقه بخطوات في العمر، وربما سبقه في الطاعة؟
المفارقة المؤلمة أن الكبير قد لا يشعر بهذا الألم الخفي، فمصدر الضجيج من تعلّم منه أول مرة معنى الوقار، ومن يُسابقه فى الصفوف هو من تعلم منه يوماً كيف يكون النظام والاحترام لحقوق الآخرين ولو صَغُرَتْ، وأن القرب من الله لا يُقاس دائماً بالمسافة، فثمّة صفوفٌ تتقدم بالأقدام، وأخرى تتقدم بالقلوب، فما أجمل أن يشعر بمن حوله دون أن يُنبَّه، أو ينبهه كبير آخر يعلم أو يَذْكر الأحكام، فيخفض صوته بالسلام والكلام الذى ليس محله المسجد، ويعيد سجادته ليده ويمتنع عن حجز الصف الأول لأصحابه باسم السِن!
ففي بيوت الله، لا يُطلب من الصغير أن يتأدب أكثر، بل من الكبير أن يسمع همسته، ويعلم أنه جعل الصمت هو الإختيار الوحيد للصغير بين الأدب والانكار وهو من كان يُعّلمه قديماً أن الصمت لغة الحكماء.
وإلى لقاء فى مقالات قادمة،،
عبده عبد الجواد
 

تعليقات