قصة الأربعين بعد على بابا- مقال

 

قصة الأربعين بعد على بابا
مقال بقلم/ عبده عبد الجواد
لم نكن نعرف " أربعين "منذ طفولتنا سوى الأربعين (حرامى) الذين تحدثت عنهم الحكاية الشعبية الشهيرة حين كشف "على بابا" سر فتح المغارة التى تحتوى على كنوزهم المسروقة، و جعلتنا الحكاية نتعاطف مع قناعته حيث رضى بأخذ القليل من المسروقات من المغارة ، بينما كان أخوه "قاسم" الشخص الطماع الذى أراد أن يحمل كل ما يمكنه حمله من الكنوز المسروقة..حيث حضر اللصوص وارتبك ونسى كلمة السر ووقع فى أيدى اللصوص..وعشنا معهم ومع الست "مرجانة" مما جعلنا نعتقد ونحن صغار أن المسروق من اللصوص حلال لمجرد انتقاله ليد غيرهم...منطق غريب عشنا فيه سنينا!
رغم أن هناك أكثر من "أربعين" فى الحياة يجب أن نعلمها ونركز عليها ونستفيد منها العبر أكثر من هؤلاء اللصوص.. ففى الصحيحين ورد حديث النبى صلى الله عليه وسلم " : إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك…"
ويأتي بلوغ الأربعين في القرآن مقرونًا بصورة من صور اكتمال النضج، حين يتوجه الإنسان إلى ربه شاكرًا نعمه، سائلًا التوفيق للعمل الصالح وصلاح ذريته ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي...﴾سورة الأحقاف: 15
فهو يستحضر نعمة "الماضي" بالشكر، ويتطلع إلى العمل الصالح الذي يرضاه الله في حاضره، ثم يرجو أن يمتد الخير إلى ذريته فى المستقبل، وهذا هو النضج الحقيقى وفهم معنى العبودية لله.
وأتم الله ميقات موسي لمناجاة ربه وتلقى ما واعده به أربعين ليلة ، ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾الأعراف: 142.
وكان من عقوبة بنى اسرائيل التيه فى الصحراء أربعين سنة جزاءً من الله ، وحين جمع الامام النووى مجموعة من الأحاديث الجامعة لأصول عظيمة من الدين اشتهرت باسم " الأربعون" النووية.
مما يجعلنا نتساءل : هل "الأربعون" في النصوص مجرد عدد، أم أن تكرارها يدعونا إلى التأمل في مفهوم النضج واكتمال المراحل؟..
هكذا امتد حديث صديقى القديم ولم أشأ أن أقاطعه. فاستطرد قائلا : هل تعلم أكثر "أربعين" تقلقنى الآن؟! قلت: ماذا؟
قال: إنهم الأربعون من أهل التوحيد المخلصين الذين يصلون علينا حين موتنا ويكون دعاؤهم سببا لقبول شفاعتهم فينا.
«ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا، إلا شفعهم الله فيه» الحديث
إن لنا من الأصدقاء المئات ونتواصل دائمًا وتربطنا المودة والحب فى الله فهل تضمن منهم "أربعين" يدعون لنا، ثم ماذا عن ذاكرة المحبة؛ ماذا بعد مرور "أربعين" يومًا أو أقل على وفاتنا هل سنجد أحدًا يذكرنا؟!
لم أجد ما أقوله؛ فربما ليست القضية في عدد الذين نعرفهم، وإنما في عدد الذين تركنا في قلوبهم أثرًا لا يموت.
وإلى لقاء في مقالات قادمة،
Abdou Abdelgawad