سجن الوظيفة الأنيق- مقال

 



سجن الوظيفة الأنيق

مقال بقلم/ عبده عبد الجواد

ما إن ينتهى الإنسان من سنوات دراسته حتى يبدأ البحث عن الوظيفة. تصبح هى الحلم الأول والهدف الأكبر، وكأنها البوابة التى سيدخل منها إلى الحياة الحقيقية. فبها يحقق الاستقلال، ومنها يبدأ التفكير فى الزواج وتكوين الأسرة وبناء المستقبل. وتتحول الوظيفة فى نظر الكثيرين من مجرد وسيلة للعيش إلى شهادة نجاح تؤكد أن سنوات الدراسة لم تذهب هباءً.

وحين يحصل عليها يظن أنه بلغ شاطئ الأمان، لكنه يكتشف مع الأيام أن الواقع أكثر تعقيدًا مما كان يتصور. مدير لا يرضيه دائمًا، ولوائح وإجراءات مرهقة، وعلاقات متشابكة بين الزملاء، وصراعات خفية أو معلنة، ومنافسة لا تكون شريفة فى كل الأحوال، وقد ينتقل من مكان إلى آخر بحثًا عن بيئة أفضل، فيجد أن الوجوه تختلف بينما تبقى المشكلات الإنسانية متشابهة فى معظم المواقع.

ومع مرور السنوات يعتاد الإنسان هذا الإيقاع اليومى.. يستيقظ فى موعد محدد، ويذهب إلى عمله، ويعود منهكًا إلى بيته، ثم يعيد المشهد نفسه فى اليوم التالى. شيئًا فشيئًا تضيق دائرة اهتماماته، وتتراجع هواياته القديمة، وتؤجل أحلامه الصغيرة إلى أجل غير مسمى. وما كان يفعله حبًا  كالقراءة أو الكتابة أو الرياضة أو اللقاءات الاجتماعية يصبح رفاهية لا يجد لها وقتًا.

وهنا يبدأ السجن الأنيق فى إحكام أبوابه.

إنه ليس سجنًا من حديد، بل سجن من الالتزامات والعادات والروتين .. سجن يبدو من الخارج مُريحًا ومُحترمًا، يمنح صاحبه راتبًا ومكانة اجتماعية ومسمى وظيفيًا، لكنه قد يسرق منه دون أن يشعر مساحات واسعة من حياته. والأسوأ من ذلك أن كثيرين يربطون قيمتهم الشخصية بما يشغلونه من مواقع وما يحملونه من ألقاب، حتى يصبح المنصب جزءًا من تعريفهم لأنفسهم.

وفى خضم هذا المشوار الطويل تبدأ آثار أخرى فى الظهور.. ضغوط متراكمة، وقلة حركة، وعادات غذائية غير صحية، وساعات طويلة من الجلوس والانشغال. وقد لا تظهر النتائج فورًا، لكنها تتراكم عامًا بعد عام حتى تصبح جزءًا من مشهد منتصف العمر وما بعده.

ثم يأتى اليوم الذى طالما بدا بعيدًا: يوم التقاعد.

يفاجأ البعض بأنهم لم يفقدوا وظيفة فقط، بل فقدوا العالم الذى دارت حوله حياتهم لعقود.. لم يعد هناك مكتب ينتظرهم، ولا مواعيد تفرض نفسها عليهم، ولا مراجعين أو زملاء أو اجتماعات، ويشعر بعضهم وكأن الزمن توقف فجأة، لا لأن العمر انتهى، بل لأن الهدف الذى عاشوا من أجله قد انتهى.

ومن هنا تبدأ رحلة الحيرة لدى كثير من المتقاعدين. ماذا أفعل الآن؟ وكيف أقضى يومى؟ ومن أكون بعد أن غاب المسمى الوظيفى الذى لازمنى سنوات طويلة؟

ولعل الإجابة يمكن أن نجد بعض ملامحها عند الشعوب التى اشتهرت بكثرة المعمرين. فسر الحياة الصحية لا يكمن فى الطعام وحده، رغم أهميته، وإنما فى وجود معنى مستمر للحياة. هناك من يستيقظ كل صباح لأنه يريد أن يتعلم شيئًا جديدًا، أو يساعد الآخرين، أو يمارس هواية يحبها، أو يلتقى أصدقاءه، أو يشارك فى نشاط مجتمعى يشعره بأنه ما زال قادرًا على العطاء.

فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده، ولا بالراتب وحده كذلك.

لذلك فإن الحكمة ليست فى انتظار التقاعد حتى نبحث عن حياة أخرى، بل فى بنائها منذ سنوات العمل نفسها. يمكن للإنسان أن يقتطع جزءًا من وقته للمشاركة فى جمعية خيرية أو نشاط تطوعى يساعد المحتاجين، أو أن يمارس رياضة تناسب عمره وظروفه، أو أن يعود إلى هواية قديمة أحبها يومًا كالقراءة أو الكتابة أو الرسم أو الزراعة.

كما أن العلاقات الإنسانية تستحق نصيبًا من الاهتمام. فالتواصل الحقيقى مع الأصدقاء القدامى، والجلوس معهم وجهًا لوجه، وتبادل الذكريات والأفكار، يمنح النفس دفئًا لا تستطيع وسائل التواصل الحديثة أن تعوضه مهما كثرت الرسائل والإشعارات.

إن الوظيفة ضرورة، وقد تكون بابًا للعطاء والنجاح، لكنها ليست الحياة كلها، وحين نجعلها الهدف الوحيد نكون قد بنينا لأنفسنا سجنًا أنيقًا ندخله بإرادتنا، ثم نستغرب شعورنا بالفراغ عندما تفتح أبوابه يومًا ونجد أنفسنا خارجه.

فالإنسان أكبر من وظيفته، وأوسع من مكتبه، وأبقى من منصبه. وما يمنح الحياة قيمتها الحقيقية ليس ما نحمله من مسميات، بل ما نحمله من أهداف ومعانٍ وعلاقات وإنجازات إنسانية تبقى معنا حتى آخر العمر.

وعندها فقط يصبح التقاعد نهاية مرحلة من العمل، لا نهاية الحياة نفسها .

وإلى لقاء فى مقالات قادمة بإذن الله،

Abdou Abdelgawad