وهم القوة وحقيقة الضعف
مقال بقلم / عبده عبد الجواد
تُمسِك بعلب الأدوية لأمراضك المزمنة، ولا تذكر
ماذا تناولت، وعينك لا ترى أسماء الأدوية جيداً ..تقوم من النوم ولا تستطيع أن
تقيم ظهرك من الألم .. تحاول عبثاً أن ترتدي بنطالك واقفاً على قدم واحدة
وترفع الأخرى فتدور رأسك وتلحق نفسك بالجلوس قبل أن تسقط.. لا بد أنك تحلم!
إنتبه من فضلك فقاطرة العمر تقترب من التوقف
وقطار الموت يكاد يدهمك وقطار الصحة يعود للخلف!
ولا تحزن أنك الآن ضعيفاً لأنك فى الأصل ضعيف،
والضعف ليس مجرد صفة فيك بل هي جزء من خِلقتك، والقوة مرحلة مؤقتة بين مرحلتي ضعف
: طفولتك وهرمك، وقوتك يدعمها الشباب
ومصادر أخرى كالسلطة والمال والصحة تزيد احساسك بها .. تلك مرحلة الابتلاء .
وليس الضعف صفة يذمك بها الله بل وصف لذاتك
وتنبيه لطلب العون الإلهي دائما فنواحي الضعف فى الانسان شهواته وصبره وقدرة احتماله
قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ
ضَعِيفًا﴾(سورة النساء: الآية 28)
قد يمنحك الشباب الصحة، أو المال وقد يجتمع
الثلاثة فى السلطة، وقد تقلب الحياة معادلتك فتكون السلطة سبباً للمال والصحة
والإحساس بالشباب.. وقد تدفعك كل مظاهر القوة للتجبر على كل من لك عليه سلطان،
زوجتك .. أولادك.. أهلك.. شعبك إذا كنت حاكماً، وموظفيك إذا كنت مديراً أو مسؤولاً
.. قوتك ليست مطلقة ولا دائمة.. قوتك يدعمها عدة مظاهر قابلة للزوال، وبعض ما تراه
قوة في نفسك قد لا يكون إلا أثرًا لاحتياج الآخرين إليك أو خضوعهم لسلطتك، فإذا
زال احتياجهم، أو انقلبت موازين الحياة، ظهر لك كم كانت تلك القوة محدودة وقابلة
للزوال..قوتك قابلة للتفكك والانهيار ، باكتفاء زوجتك أو أولادك بعمل يدر عليهم
دخلاً يكفيهم عن الطلب منك.. أو بانشغالهم بحياتهم وأصدقائهم، وقد يجدون في
هواتفهم ومصادر المعرفة ما يجيب عن أسئلتهم، فلا يعودون يحتاجون إلى نصائحك كما
كانوا من قبل. عندها قد تكتشف أن حضورك في حياتهم لم يكن بالقوة التي تخيلتها، وأن
المحبة التي تُبنى على الاحتياج وحده لا تضمن دوام القرب.
وموظفوك الذين خرجوا من تحت جعبة جهلك الادارى
وانطلقوا فى سوق العمل ولم يبق معك سوى المغلوبين على أمرهم حتى حين، وشعبك ومن
كنت تظن أنهم لا يرون ولا يعرفون، أصبحوا يرون العالم من حولهم في لحظات،
ويقارنون، ويقيّمون، ويحتفظون بآرائهم إلى أن تأتي اللحظة التي لا تستطيع فيها السلطة
أن تحجب الحقيقة.
وتلك كلها مراحل من الابتلاء، يُختبر الإنسان
فيها بما أوتي، وبما مُنع، وبكيفية تعامله مع من حوله..
إنتبه قبل أن تخبو كل مظاهر قوتك وتنتقل للمرحلة
التالية من رحلتك وحينها سترى هل من أياد تنظم لك دواءك، وتمتد لتساعدك فى الوقوف
حتى يستقيم ظهرك وترتدى بنطالك واقفاً؟..هل تعانى فى قراءة أوراقك وروشتات أدويتك؟..
أم تقرأ كل كلمات العالم بعيونهم وقد وُهِبت لك؟ ..هل ستُرفع على منصات التتويج
وينصفك التاريخ أو تُقتل أم تُسجن؟!
فكما كنت ضعيفاً تنتظر من يحنو عليك ويُعلمك- فى
طفولتك ، ستعود فى كبرك أشد ضعفاً وجهلاً تنتظر من يشعر بقدرك أو وجودك.. ستجنى
حصاد مراحل الابتلاء من حب أو كره أو دعاء الآخرين لك، فاحذر فليس كل سيارات ولا
قطارات الحياة بها أجهزة انذار حين تعود للخلف أو توشك أن تتوقف .
وإلى لقاء فى مقالات قادمة،
Abdou Abdelgawad
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ
جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا
وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾(سورة الروم:
الآية 54)
