غرباء فى زمن الكثرة- مقال


غرباء فى زمن الكثرة
مقال بقلم / عبده عبد الجواد
كثرت أنواع الطعام وتعددت أساليب الطهى وتعددت أصناف البهارات و محسنات الطعم .. وكثرت أنواع المشروبات فتلك عصائر يقال إنها طبيعية وتلك مياه غازية وأخرى مشروبات للطاقة.. وتزايدت برامج الطبخ وتنافسوا على عرض مأكولات أغلبها من اللحوم والدواجن والأسماك والتى لم تعد تتضمنها مائدة الفقراء إلا نادراً ..
وقد كانت أصناف الطعام قديماً فى الوجبات الثلاثة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة أو تزيد قليلاً .. ولم يكن سوى الماء الذى يضاف إليه في القُلة القناوى بعض ماء الورد أو الشاى أو الينسون أو القهوة وكان هناك نوع واحد أو اثنان من المياه الغازية ولا يشربه إلا قليل من الناس.
فلما صار لدينا عشرات الأصناف بقوائم الطعام والشراب صار بالصيدليات مئات الأصناف من الدواء لأمراض لم نكن نسمع عنها من قبل فى أسلافنا.. حتى غصت الصيدليات بأصناف الدواء وصارت بالمئات والآلاف!
وملأت أعيننا و أسماعنا ليل نهار إعلانات الأغذية الضارة قبل النافعة يروجون لها أنها مليئة بالفيتامينات الهامة لصحة الجسم وفى الوقت نفسه نرى إعلانات أخرى عن أدوية ومكملات غذائية وكأن لسان حالهم يقول تناول ما تشاء ولا تخف فلدينا أيضا الدواء لعلاج ما قد يسببه هذا الطعام؛ وكأن المنتج للطعام ( أو المرض ) هو ذاته شركة الدواء!
وليس الطعام وحده ما أصابه هذا الخلل، بل امتد الأمر إلى عالم القيم والأفكار أيضًا..لقد صرنا في زمن الكثرة في البشر والغذاء والمرض والدواء والتلوث والكذب والجهل والفقر والظلم.. وفى ذات الوقت نعيش زمن القِلة في الضمير والعلم والوعى والحكمة والعدل
فويل لقليلنا من كثيرنا ..ويل لأصحاب الضمير والوعى والحكمة، وويل لمن ينشدون العدل، أو من يرفعون لواء العلم، وقد صاروا غرباء في زمانهم وخَفَت صوتهم أو لا يكاد يسمع وسط ضجيج الجهال وأصحاب المصالح وأتباعهم من المروجين و معدومي الضمير ..و تعمقت غربتهم بعد انزواء مؤيديهم خشية بطش أصحاب النفوذ، خوفا على مالهم، أو مستقبلهم، أو حريتهم، فآثروا الصمت على الكلام..
زادت غربة الغرباء وتكالب عليهم الجهلاء واتهموهم بالجنون فمنهم من هاجر، ومنهم من قُضى عليه بفعل غادر، ومنهم من سجن.. ثم تمضى السنوات فيدرك العالم أنهم لم يكونوا مخطئين بل كانوا بعبقريتهم سابقين لعصرهم .
وإلى لقاء فى مقالات قادمة باذن الله،

Abdou Abdelgawad