مقال
بقلم/ عبده عبد الجواد
كلمة صغيرة كانت تزن الضمير أكثر مما تزن السلع
.. كنا نرددها فى الماضى كلما أردنا شراء حاجة بالوزن من أى بائع نبلغ البائع
رسالة الأب: " بابا بيقولك اتوصى" ..كنا نقولها للبقال وبائع الغلال
ومطعم الفول والطعمية..
لم تكن رسالة الأب للبائع تعنى أنه يريد أن يأخذ
أكثر من حقه، بل كانت رسالة ود مفعمة بتحرى العدل وبحُكم الجِيرة فى الحى وكأنه
يُسلم عليه من خلالى وكان البائع يستقبل كلمتى" اتوصى" بابتسامة جميلة
ويقول: "من عينيا " ويوزن ويزيد على الميزان قليلاً بسماحة تجلب
البركة.. فهو يستحضر قول النبى صلى الله عليه وسلم : «رحم الله رجلًا سمحًا إذا
باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى.». وكان يعطينى الطلب ويقول: "سلم على بابا
كتير"،وكان أبى وصديقه البائع يخشون الوعيد"ويل للمطففين" (*)
الآن صارت أغلب الموازين أليكترونية وتحسب الوزن
بكسر الجرام وتحسب القيمة بعد كتابة سعر الكيلو بدقة ولم يعد أحد يردد كلمة
اتوصى.. فقد صارت الأصناف ترتبط برقم وكود وشاشة وفاتورة تدفعها حتى بما زاد من
جرامات فى السلعة ذاتها، بل قد يُحتسب وزن العبوة ضمن وزن السلعة، فيدفع المشترى
ثمنها دون أن ينتبه أو يهتم البائع بضبط الميزان بعدها.
انقرضت كلمة" اتوصى" مع موت الآباء
وجيلهم تقريباً وغاب معهم الكثير من معانى التسامح وحلول البركة فى الحياة، ولا
يرجع ذلك للموازين الحديثة، فهى تضبط الحقوق بدقة، لكنها لا تستطيع أن تضبط
الضمير، ولا أن تمنع من احتساب وزن العبوة على المشترى، أو التغاضى عن جرامات
قليلة يراها البعض لا تستحق الانتباه، بينما هى عند الله من تمام الأمانة.
بعض التجار الذين مازالوا يعملون بالموازين
العادية يحرصون على أن يزيدوا شيئاً ولو قليل على الميزان، لتحرى الحلال والتماس
البركة، والبعض لا يهتم وربما يكمل الميزان بالضغط بيده دون شعور مع سرعة العمل
والزحام.. هذا بالاضافة لغلاء الأسعار كثيراً وصارت الجرامات القليلة من الجبن أو
الحبوب أو الخضروات والفاكهة واللحوم وغيرهم ذات قيمة،
ولم يعد من يهتم أن يتوصى إلا القليل، ومن يتذكر
وصية "اتوصى" يخجل أن يقولها ..
لم تمت كلمة "اتوصى" لأن الموازين
أصبحت إلكترونية، فلم تكن حِكراً على البيع والشراء بل كانت أسلوب حياة فالمعلم
يتوصى بتلاميذه، والطبيب يتوصى بمرضاه، والموظف يتوصى بمصالح الناس، والجار يتوصى
بجاره .. حتى دون أن ترددها الألسن فهى لسان حال الضمائر الحية حين لا تكتفى
بالعدل بل تغدق على الآخرين بالاحسان.
حين يغيب التواصى بين الناس، يكتفى كل منا بأن
يأخذ حقه كاملًا، ولا يفكر أن يمنح غيره شيئًا من الإحسان. عندها تحضر الحسابات
وتغيب البركة فالبركة لا تسكن الأرقام، وإنما تسكن الضمائر، والعدل يوزِن بالكيلو،
أما الإحسان فلا يعرف ميزانًا.. ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.(*).
وإلى لقاء فى مقالات قادمة باذن الله،
Abdou Abdelgawad
***********************
الهوامش:
* المطففين: الذين يحرصون على أخذ أكثر من حقهم إذا اشتروا ، ويأخذوا من
حق الناس وينقصوا ميزانهم إذا باعوا لهم.
* الآية من سورة العصر وفيها الاشارة لخسران الانسان الدائم فى الحياة
إلا بالايمان وعمل الصالحات والتواصى بالحق والصبر.
