قراءة المستقبل- مقال

 

قراءة المستقبل
مقال بقلم / عبده عبد الجواد
عندما يسألك أحد أطفال اليوم:
إذا كان كفار قريش قد قرروا قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة، فلماذا انتظروا على باب بيته حتى يخرج عند الفجر ولم يقتحموا المنزل وينهوا الأمر فى حينه؟
وعندما يسألك لماذا قال سيدنا إبراهيم لقومه بعدما حطم الأصنام : «بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون»؟ أليس هذا كذبًا؟ ولماذا لم يصرح بأنه هو من فعل ذلك؟
ثم يفاجئك بسؤال آخر إذا كان سيدنا إبراهيم رأى في المنام أنه يذبح إبنه إسماعيل، فما الذي جعله يبادر إلى تنفيذ الرؤيا وهي في النهاية مجرد حلم؟
وقد يسألك عن قصة الهدهد مع سليمان، أو سفينة نوح، أو غير ذلك من القصص والأحداث التي اعتدنا سماعها منذ الصغر دون أن تخطر لنا مثل هذه التساؤلات.
هذه الأسئلة وغيرها أصبحت جزءًا من واقع جديد يعيشه الآباء والأمهات اليوم. فالعالم الذي ينشأ فيه أطفال هذا العصر يختلف كثيرًا عن العالم الذي نشأنا فيه، لقد تعودت الأجيال السابقة على تلقي المعلومة جاهزة، أما الجيل الحالي فقد تربى على البحث والمقارنة والسؤال والمناقشة.
في الماضي كان كثير من الأطفال يكتفون بإجابة مختصرة من الأب أو المعلم، أما اليوم فقد يسأل الطفل: كيف حدث ذلك؟ ولماذا؟ وما الدليل؟ وهل يوجد تفسير آخر؟ وليس بالضرورة أن يكون ذلك نوعًا من التمرد أو التشكيك، بل هو انعكاس لعصر أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية. فحين لا يجد الطفل إجابة مقنعة ممن حوله، فإنه سيتجه إلى البحث بنفسه، وقد يجد الإجابة الصحيحة، وقد يقع بين يدي معلومات ناقصة أو مضللة أو مشوهة، لذلك لم تعد القراءة والثقافة ترفًا يمارسه البعض، بل أصبحت ضرورة تفرضها مسؤولية التربية نفسها.
إن كثيرًا من الآباء والأمهات يظنون أن دورهم يقتصر على توفير الطعام والملبس والتعليم لأبنائهم، بينما يفرض المستقبل دورًا إضافيًا لا يقل أهمية، وهو الاستعداد الفكري للحوار مع هؤلاء الأبناء. فالطفل الذي يحمل هاتفًا ذكيًا بين يديه يستطيع الوصول إلى آلاف المعلومات في دقائق، لكنه يحتاج إلى من يساعده على فهمها وتمييز صحيحها من خاطئها.
ومن هنا فإن إصلاح التعليم لم يعد مجرد زيادة للمناهج أو إضافة للمعلومات، بل يجب أن يتجه إلى تعليم التفكير والبحث والتحليل. فالمطلوب اليوم ليس طالبًا يحفظ الإجابة، وإنما طالب يعرف كيف يصل إليها وكيف يتحقق من صحتها.
وقد ينجح البعض في تجاوز موقف محرج بإجابة دبلوماسية أو بالاستعانة السريعة بأحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لكن ذلك لا يمثل حلاً حقيقيًا على المدى البعيد. فالتكنولوجيا يمكن أن تساعدنا في الوصول إلى المعرفة، لكنها لا تغني عن بناء عقل قادر على الفهم والحوار.
ربما كان آباؤنا يخشون على أبنائهم من الجهل، أما آباء اليوم فعليهم أن يخشوا عليهم من فوضى المعلومات. وبين الجهل وفيضان المعرفة تظل القراءة الواعية والتعلم المستمر هما الوسيلة الأهم للاستعداد للمستقبل. فالسؤال الذي يطرحه طفل اليوم قد يبدو بسيطًا، لكنه قد يكشف غدًا مدى استعدادنا لقراءة المستقبل قبل أن يقرأه أبناؤنا.
وإلى لقاء فى مقالات قادمة،،
عبده عبد الجواد

تعليقات